عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
105
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
والشهود . وبالنّسب صحّ النّسب . أي : بالربوبية وجدت العبودية ، وبالعبودية وجدت الربوبية ، فلا تعقّل لإحداهما إلا بالأخرى - كالمعلومية ؛ لا تحقّق بها إلا بالعالمية ، ولا تحقّق للعالمية إلا بالمعلومية . . وكلا المرتبتين لا وجود لهما إلا بتعقّل الصفة العلمية ، ولا وجود للصفة العلمية إلا بتعقّلهما . وكلّ واحد من العلم والعالم والمعلوم نسبة ؛ فما وجدت النّسب إلا بالنّسب . ولولا المسبّب ، ما ظهر حكم السّبب . المسبب يجوز أن يكون بالفتح والكسر ؛ فإن قلنا بالكسر ، كان اسم الفاعل ، وتقديره : « لولا اللّه الذي أوجد الأسباب ، لما ظهر حكمها » وإن قلنا إنه بالنصب ، كان اسم المفعول ، يعني : « المسبّب ، الذي هو مفعول السبب ، أعطي السبب حكم السببية » فكما أن القلم ، الذي هو سبب الكتابة ، علة لوجود المكتوب ؛ كذلك المكتوب علة لنسبة السببية إلى الكتابة ، كما أن كلا منهما علة لنسبة السببية إلى الكاتب . وكذلك الكاتب علة لنسبة السببية إلى القلم ، كنسبة السببية إلى المكتوب - فبالمسبّب - الذي هو فاعل - وبالمسبّب - الذي هو مفعول - ظهر حكم السبب عنهما ؛ فكان هذا به فاعلا ، وكان هذا به مفعولا . . فارتبط الأمر بعضه ببعض . ولهذا قال : فإن قلت : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشّورى : 11 ] زال الظلّ والفيء ، والظلّ ممدود بالنص ، فعليك بالفحص . إعلم أيّدنا اللّه وإيّاك ، أن الشيخ - رضي اللّه عنه - ذكر في غير موضع من مؤلفاته ، أن الكاف في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشّورى : 11 ] يحتمل أن تكون زائدة ، فيكون المعنى : ليس مثل الحق شيء ، لأنه عين الوجود كله ، فلا مثل للوجود - لأنه لو كان للوجود مثل ، لصحّ أن يطلق عليه اسم الوجود - فالواجد أمر واحد ، لا مثل له على الحقيقة . ويحتمل أن تكون الكاف تشبيهية ، فيكون معناه : ليس كالإنسان ، الذي هو مثل الحقّ ، شيء . لأن الإنسان نسخة الحق والخلق ، واللّه تعالى عين الحق والخلق . فهو - أي الإنسان - موصوف بكل ما يوصف به الحق ، ومنعوت بكل ما ينعت به الخلق . فهو المثل الذي لا مثل له ، وهذا معنى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشّورى : 11 ] . فإن غلب عليك شهود الأحدية المنزّهة عن الكثرة ، انعدم وجود الخلق عندك ، وزال الظلّ والفيء . لأن العالم ظلّ اللّه ، فيزول ؛ لأنك لم تشهد شيئا سوى الوحدة المحضة ، فلا ظهور للظلّ ، لأن الظلّ يحتاج إلى نور مفيض وظلام قابل للصورة المتوسطة بين النور وبين المحل ، وبظهور الوحدة ، ينعدم ذلك ؛ فلا كثرة بوجه من